الإسرائيليين مرضَّى نَفسَِين

868

 

فى بداية حديثنا عن سبب الإكتئاب النفسى الذى يعيشه اليهود فى دولتهم ، فيجب أولاًَ أن نَُسرد ماكتبه الأديب " دافيد شحر " فى روايته " قصر الأوانى المَُحطمة "  قائلاًَ : ( إن اليهودي لم يجد نفسه لا هَُنا ولا هناك فهو أكثر بقليل مما كان وأقل بكثير مما يريد ، عالق كالشوكة فى الحلق ، ومَُتفتح قليلًَا فى الهواء ) .
وهَُنا يَبدأ الحديث حيث يَضع " شحر " الوصف الأكثر دقة لَِحال اليهودى .
ومما لا شك فيه  أن اليهودى ناقم على المجتمع وحاقد على كل من فيه ؛ إستنادًا إلى فكرة المظلومية التى يَُصدرها للآخرين طيلة الوقت ، لذا نجده رغم تفتحه إلا أنه يعانى من الأزمات النفسية .


ما الذى أدي إلي وصول الإسرائيليين إلي تلك الحالة؟

جدير بالَِذكر أن اليهود عاشوا حياة بائسة قبل عام 1948 فى بلاد كثيرة ، حيث كان مصيرهم دائماًَ هو الإغتراب والطرد ، فقضوا سنوات طويلة داخل أسوار ( الچيتو )  والتى كانت تَُستخدم بشكل خاص للإشارة إلى أحياء اليهود فى أوربا .

دور التوراة في حالة المرض النفسي للإسرائيليين 

ويَُذكر أن التوراة قد ملأت نفسيتهم بالخوف والرعب من الآخر ، وفور ظهور فكرة " الصهيونية " والتى كانت ضمن أهدافها خلق يهودى جديد يستطيع التخلص من أزمات الچيتو ، لكي يشبه الإنسان الأوربى المتفتح الواعي ؛ ولكنها خلقت منه يهوديًَا أكثر بؤسًََا وإغترابًَا مما كان ، فخرج اليهود من أسوار الچيتو ليجدوا أنفسهم فى حصار جديد آخر يسمى " إسرائيل " بكل أزماتها ومشكلاتها المجتمعية .
ويجب أن نَُوضح أن أزمات الچيتو التى كانت وراء الحالة النفسية المتدهورة لليهود ، لم تكن الوحيدة .
إنما كانت الطامة الكبري هي " المحرقة النازية – الهولوكوست " التى حدثت فى الأربعينات والتى كان لها الفضل فى تعزيز ثقافة الكارثة التي ستحل بالشعب اليهودي ، لو لم يَعش فى إسرائيل ، والتى كانت سببًَا رئيسيًَا في العديد من الإضطرابات
 النفسية لليهود حتي العصر الحالى .


ماهي الأزمة الأهم في حالة الإضطراب النفسي ؟

وهنا نتطرق إلى ثالث محطات الإضطراب النفسي  لليهود ألا وهى " أزمة الهوية " التى لاقاها اليهود بعد ترحيلهم إلى إسرائيل ، تلك الأزمة التى مازالت تَُشكل قاسمًَا مَُهمًَا فى شكل المجتمع ، كما أن لها تأثير كبير على الحالة النفسية لليهودى .


موقف المستشارين النفسين الإسرائيليين  لحل تلك الأزمة ؟

ضمن هذا الإطار كتب المحلل النفسي " تسفي برئيل " في صحيفة " هأرتس" قائلا : ( أن الإسرائيليين يسيطر عليهم رعب الهوية الفظيع لأن دولتهم لاتخطئ بالإعتراف الدولي ، مثل أي دولة آخري
لهذا فهي تَُسن من أجلهم قانونًَا يفرض عليهم الوعي القومي ، قانون يشرح لهم أن المس بالقانونية اليهودية إعتداء  ، إن لم يكن خيانة للدولة  ، وأن الولاء للدولة هو أولا وقبل كل شئ ولاء لليهودية .

مَُعللاًَ : إلي أنه حتي بعد سن قانون القومية ، يصبح الجمهور وكأنه مسحورًَا دون معرفة قوميته وهويته .
كما أشار إلى أن الدول التى حاولت توحيد عدة قوميات داخلها بشكل مصطنع كلها تعانى من حرب داخلية أحيانًَا وخفية أحيانًَا  ، وعلنية  وهذا يرجع إلي عمق الفجوة بين القوميات .
جدير بالذَِكر أن الدكتور " عبد الوهاب المسيري " أشار إلي أن اليهود عاشوا بين المجتمعات الأوربية تحديدا وهم يؤدون أدوارًا وظيفية ، تخلوا فيها عن إنسانيتهم أو بمعني أدق تخلوا عن التفاعل الإجتماعي  والنفسي مع المجتمع ، لذا إمتهنوا وظائف كانت مسار سخط الشعوب التى عاشوا بينها ؛ علي سبيل المثال ( الربا وجمع الضرائب ) وأصبحوا بهذه الصورة مثل قطعة إسفنچ يستخدمها الحكام لإمتصاص ثروات محكوميهم .
يَُذكر أن موقع (כל זיכות)  المّعني ببحث الأمراض النفسية ، ذكر أن عدد المرضي النفسين  وصل  إلي ربع مليون شخص .
كما أوضحت الإحصائيات أن من بين الربع مليون شخص 70 الف فقط يخضعون للعلاج بمعرفة التأمين الوطني ، والمعروف أن نسبة المرض علي العلاج منخفضة بشكل كبير
إذ أن 60%منهم يؤمنون بأن العلاج لن يفيدهم في شئ .
وتبين من الإحصائية أن نحو 6آلاف مريض نفسي يعانون من الهوس والإكتئاب ، بينما 80ألف يعانون من مرض إنفصام الشخصية.

لذا المرض النفسي الأكثر شيوعا  فى إسرائيل هو الإنفصام في الشخصية 
إذَّ يعاني منه نحو 10 – 20% من السكان .

وعلي قول " چيلا سيلاغ " الطبيبة بإحدي العيادات النفسية نقلا عن صحيفة ( معاريف ) قائلة : ( أن الأرقام تدعم فكرة أن الإسرائيليين  معرضون لإنهيار نفسي كامل فقد إستنفذنا كل طواقمنا الطبية العاملة في المجال ، ونعمل علي تهدئة المواطنين كما لو كنا فى  حرب حقيقية .
أما عن مكتب الإحصاءات الإسرائيلي فقد أوردت التقارير أن 27% من الإسرائيلين الذين تتجاوز أعمارهم عن 20 عام ، يشعرون بالضياع  والوحدة فى أوقات كثيرة ومتقاربة وأن 15%ليس لديهم من يتجهون إليه وقت الشدة ، مشيرة إلي أن 137 شخص من كل 1000 شخص يتوجهون الي مكاتب " الرفاه الإجتماعي " للبحث عن  لمشكلاتهم .
جدير بالذكر أن أبحاث منظمة الصحة العالمية كشفت عن الصحة النفسية في إسرائيل ، التي أجريت العام الماضي
وعلي حد قولها أن الفلسطينيين يعانون بشكل أكبر من اليهود من الإجهاد والإكتئىاب والقلق بواقع 11,2% مقارنة بنحو 8,6%.
ويجب أن نشير إلي أن القلق ليس فقط المسيطر علي اليهود بل الإنتحار أيضا يعد من الظواهر المنتشرة داخل دولة الإحتلال
إذ أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية عن مدي إنتشار ظاهرة الإنتحار في إسرائيل إذ أنها مدرجة في المركز الثاني من 28 دولة في إأوربا .
وقد أرجع المراقبون إلي أن اسباب القلق النفسي لليهودي يرجع إلي الوضع غير الأخلاقي للدولة ، حيث يعيش المواطنون في دولة يعترف الكثير منهم بأنها غير قانونية ، وحتي من لم يعترف بذلك فهو على الأقل مَُدرك طبيعة الأخطار المحيطة من كل جانب.
فضلًَا عن أزمات المجتمع الممتلئ بالصراعات بين اليهود والعرب وبين اليهود أنفسهم .
ونتيجة لذلك أصيب غالبية الإسرائيلين بأمراض نفسية متعددة
وهنا نختم قولنا أن ما بَُني علي باطل ؛ فهو باطل .

The following two tabs change content below.

ايمان الحصري

- حاصلة علي ليسانس آداب قسم اللغات الشرقيه شعبة اللغة العبرية جامعة المنوفية، حاصلة علي تمهيدي ماجستير جامعة المنوفية ، وحاصلة على شهادة English Language Advanced بتقدير إمتياز من كامبردج البريطانية وشهادة بمهارات التحرير الصحفي بتقدير إمتياز من وكالة أنباء الشرق الأوسط وجمعية المترجمين واللُغويين وميدل ايست

Latest posts by ايمان الحصري (see all)

Comments

comments