الإرهاب اليهودي وإستراتيجية ما قبل قيام الدولة

772

برعت العصابات اليهودية عبر التاريخ في التحرك تحت جنح الظلام لتدبير المكائد وتنفيذها، وإشعال الفتن ضمن المجتمعات التي تعيش بين ظهرانيها، وحققت نجاحات كبيرة باستخدام هذا الأسلوب .

وقد تبنت الحركة الصهيونية الأسلوب نفسه منذ وطئت أقدامها أرض فلسطين، حيث لم تجد غير أسلوب العصابات لاختراق النسيج المجتمعي للمنطقة وزرع المشروع الصهيوني فيها.

العصابات الصهيونية الإرهابية في فلسطين .

كانت العصابات الصهيونية التي تشكلت في تلك الفترة عبارة عن عصابات متفرقة في الحركة متحدة في الهدف الذي رسمته الحركة الصهيونية والذي يتمثل بإقامة "دولة لليهود" على "أرض إسرائيل التاريخية". ومما لاشك فيه أن القرار الذي عبر عنه "هرتسل" مؤسس المشروع الصهيوني بشأن إقامة دولة اليهود في فلسطين، وإخراج أهلها وطردهم عن طريق ممارسة العنف والإرهاب شكل القاعدة التي بُني عليها العمل العسكري الصهيوني الذي التزمت به عصابات الحركات الصهيونية.

download

ومن المعلوم من خلال كتابات الصهيونيين أن العقيدة الصهيونية العسكرية بنيت على الإيمان بالقوة إيمانًا مطلقًا، وعلى تبرير استخدام أي وسيلة لبلوغ الهدف الذي تكونت لأجله، وقد بات القتل والإبادة والتخريب والطرد والنفي والاستيلاء على الأرض في فلسطين لسكانها العرب من وقائع الحياة اليومية العادية الذي مارسته تلك العصابات الصهيونية في تلك المرحلة ثم انتقلت المنهجية بعد إعلان قيام "دولة إسرائيل" إلى الجيش الإسرائيلي" الذي انصهرت فيه تلك التنظيمات.

فالحركة الصهيونية عملت منذ بداية تحركها العملي على أرض فلسطين على تشكيل العصابات الصهيونية وإخراج العمل الإرهابي الصهيوني من نطاقه الفردي إلى نطاقه الجماعي والعمل المنظم والمنسق، ومن ثم اتساع مهامه ورقعة انتشاره من العمل على حراسة المستعمرات والدفاع عنها إلى الهجوم وممارسة العنف والإرهاب ضد سكان فلسطين العرب وممتلكاتهم والعمل على الاستيلاء على أكبر مساحة من أرضهم من أجل بناء مستعمرات جديدة للمهاجرين اليهود الجدد. وقد «تجلى ذلك في تأسيس عصابة "هاشومير" (الحارس) عام 1907، وكان هدفها الرئيس الدفاع عن المستعمرات اليهودية في فلسطين، وكان شعارها: "لقد سقطت يهوذا بالدم والنار وستنهض بالطريقة نفسها".

24-482x245

وخلال الفترة بين (1918-1920) شكلت "المنظمة الصهيونية العالمية" عصابة عسكرية هي "الهاجاناه" على أنقاض "هاشومير"، وأخذت "الهاجاناه" على عاتقها مهمة ممارسة الإرهاب ضد العرب، وأصبحت الذراع العسكري للوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية، وحين انشق "جابوتنسكي" عن المنظمة الصهيونية، قام بتشكيل عصابة "بيتار" سنة (1935) التي عرفت فيما بعد باسم "الإرجون/ الإتسل" وكان يرأسها "مناحيم بيجن"، ثم عصابة "شتيرن/ ليحي" التي انشقت عن الإرجون" عام (1939).

لقد سعت هذه العصابات منذ البداية لتشكيل المقاتل الإرهابي الذي لا خيار…وقد مارست تلك العصابات الصهيونية: "الإرجون، الهاجاناه، شتيرن، البالماح" شتى أنواع الإرهاب المنظم ضد السكان العرب، خاصة بعد الحصول على موافقة القيادة البريطانية على تشكيل الفرق الليلية الصهيونية التي كان هدفها هجوميًا لا دفاعيًا، فقد قال "ديان": «إن الهاجاناه والبالماح كانتا تشنان الغارات الليلية خلال عام (1948) وكان أفرادها يضعون المتفجرات حول البيوت ويرشون الأبواب والنوافذ بالبنزين، وما إن يبدأ إطلاق النار ويبدأ "الديناميت بالانفجار حتى يحترق السكان وهم نائمون».

HaganahLogo.286221159_std

فقد اتبعت العصابات الصهيونية العسكرية منهجية العصابات المنظمة في عمليات القتل والتخريب وممارسة كل أنواع العنف والإرهاب ضد أهل فلسطين من العرب، وعملت على إثبات وجودها والبرهنة على سيطرتها من خلال سعيها الدؤوب إلى امتلاك القوة العسكرية واستخدامها بشكل مباشر في حياتهم اليومية. ولعل سجل عملياتهم الإرهابية الذي يصعب حصره يمكن أن يوضح دور هذه العصابات في بناء المشروع الصهيوني. وكان من أشهر تلك العصابات عصابة "الهاجاناه" (الدفاع الذاتي)، وهي اسم مختصر لعصابة عسكرية صهيونية سرية، تأسست عام (1921) «…نتيجة تعرض المستعمرات والتجمعات الصهيونية في فلسطين للهجمات العربية، وتزايد الإحساس لدى مختلف الفئات والأحزاب اليهودية والصهيونية بضرورة إيجاد منظمة موحدة للدفاع عن "اليشوف" تتولى شؤون الدفاع..عن كافة المستوطنين اليهود في فلسطين بحيث تخضع لقيادة واحدة ولتدريب واحد.

نشاط العصابات اليهودية ضد الانتداب البريطاني في فلسطين.

لم تسلم السلطات البريطانية "مؤسسات وأفراد" من مكائد العصابات اليهودية في فلسطين , فقد نفذت منظمة " شتيرن/ليحي " العشرات من الهجمات الإرهابية التي دمرت مرافق سلطات الانتداب و قتلت المسؤولين البريطانيين والعرب واليهود على حد سواء .

وكانت هذه العمليات أكثر فاعلية وأعمق تأثيراً , بسبب توجيهات زعيم" ليحي" العنيف المشهور بقسوته التي لا تعرف الرحمة "إسحاق يزرنسكي _ اسحاق شامير " سابع رئيس وزراء في تاريخ دولة اسرائيل , ومن أشهر عمليات "ليحي" واكثرهم اثارة هي عملية اغتيال اللورد "مورين " "وزير الدولة البريطانية في الشرق الأوسط " , فقد كمن شابان من عناصر"ليحي" خارج منزله في القاهرة وأطلقوا النار على سيارته من مسافة قريبة حين كان عائداً من مكتبه.

Palmach

و من جانب آخر ظهر نشاط منظمة "الإتسل_ الإرجون" بقيادة "بيجن" , في حملة من الهجمات ضد البريطانيين هدفها هو تقويض سمعة البريطانيين و هيبتهم , و نستشهد برواية بيجن:  "يؤكد لنا التاريخ و ملاحظاتنا المباشرة بالحجة و الدليل , أن نجاحنا في تدمير هيبة الحكومة البريطانية في أرض إسرائيل , سوف يتبعه زوال حكمها آلياً" , الشاهد من مذكرات "بيجن".

وأدت هذه الهجمات الإرهابية  إلى إضعاف الروح المعنوية لدى مسؤولي سلطات الانتداب , ونستشهد لهذا بكثير من البيانات و التصريحات للمسؤولين العسكريين و السياسيين , فضلاً عن المراسلين البريطانيين , التي عبرت عن الشكوك باستدامة الانتداب في مواجهة إرهاب منظمة "إرجون " , و يقول المؤرخ "هوفمان" "ثمة سلسلة أخرى من التطورات الجارفة – شملت المصاعب الاقتصادية التي واجهت ,بريطانيا بعد الحرب , ومنح الهند استقلالها , و تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة حول فلسطين , و الضغوط المكثفة للهجرة اليهودية غير الشرعية . وقوة الرأي العام الدولي والمحلي , ومنحة الناجين من المحرقة و بلوى النازحين اليهود الهائمين على وجوههم في أرجاء أوروبا , وتقرير لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين الذي أوصى بإنهاء الانتداب , اجتمعت كلها معاً لدفع الحكومة العملية باتجاه هذا الوضع اليائس الخطير " .

ويتفق " هوفمان " مع مؤرخين ,من أمثال "مايكل كوهين" و منحوا أهمية أكبر لهجمات "إرجون" وشددوا على تأثير العمليات الخاصة , مثل تفجير مقرات سلطات الانتداب في فندق الملك داوود (يوليو 1946) الذي أدى إلى مقتل واحد وتسعين شخصاً من البريطانيين والعرب واليهود .

بعض العمليات الإرهابية للمنظمات الصهيونية في فلسطين (1936- 1948 ).

  • ديسمبر 1937 : ألقى أحد عناصر تنظيم إتسل قنبلة على سوق الخضار المجاور لـ"بوابة نابلس" في مدينة القدس, مما أدى إلى استشهاد العشرات من المواطنين العرب , و إصابة الكثيرين بالجراح.

  • 12 أبريل 1938 : مقتل شرطيين عربيين فلسطينيين و شرطيين بريطانيين بتفجير قنبلة داخل قطار حيفا.

  • 25 يوليو 1938 : انفجرت سيارة ملغومة , وضعتها عناصر تنظيم إتسل في السوق العربية في مدينة حيفا , فاستشهد جراء ذلك 35 مواطناً عربياً , و جرح 70 .

  • 27 فبراير 1939 : قتل 33 مواطناً عربياً فلسطينياً خلال هجمات متعددة , سقط 24 منهم بتفجير قنبلة في منطقة السوق في حيفا و سقط 4 آخرون في تفجير قنبلة بسوق الخضار في القدس .

  • فبراير 1944 : ثلاث هجمات على مكاتب ضرائب الدخل في ثلاث مدن مختلفة .

  • 15 مايو 1944 : هجوم على مقر الإذاعة في رام الله .

  • 27 سبتمبر 1944 : ما يقارب 150 من عناصر منظمة إتسل شنوا هجوماً على عدد من مراكز الشرطة البريطانية أسفر عن عدد غير محدد من القتلى .

  • 29 سبتمبر 1944 : اغتيال رئيس قسم الاستخبارات الجنائية في الشرطة البريطانية في مدينة القدس .

  • 6 نوفمبر 1944 : اغتيال الوزير البريطاني اللورد " موين " في القاهرة.

  • 22 يوليو 1946 : تفجير فندق الملك داوود في القدس .

  • 29 سبتمبر 1946 : تفجير مركز للشرطة في حيفا راح ضحيته 10 قتلى .

  • 29 ديسمبر 1947 : ألقى أعضاء تنظيم إتسل برميلاً مملوءاً بالمتفجرات , عند باب "العمود" في القدس , مما أدى إلى استشهاد 13 عربياً و جرح 27 آخرين .

  • 31 ديسمبر 1947 : أي ليلة رأس السنة الميلادية 1 يناير 1948 ,قامت قوات مشتركة مؤلفة من الكتيبة الأولى من البالماح ومن لواء "كرميلي" يقودها "حاييم افينوعم" بالهجوم على قرية بلد الشيخ و قد بلغ عدد ضحايا هذه المجزرة وفق المصادر الإسرائيلية 60 فلسطينياً .

  • 5 يناير 1948 : وضع تنظيم إتسل سيارة مملوءة بالمتفجرات بجانب "السرايا القديمة "في مدينة يافا فهدمتها وما جاورها , واستشهد نتيجة ذلك 30 عربياً , وجرح آخرون .

  • 14 فبراير 1948 : هاجمت قوات من كتيبة البالماح الثالثة التابعة للهاجانا قرية "سعسع" (وهي قرية عربية فلسطينية على بعد20 كم من مدينة صفد كان عدد سكانها عام 1948 _"1130 " نسمة ) , و دمرت القوات عشرين منزلاً فوق رؤوس أصحابها , بالرغم من أن أهل القرية قد رفعوا الأعلام البيضاء , وكانت حصيلة هذه المجزرة استشهاد حوالي 60 من أهالي القرية , معظمهم من النساء والأطفال .

  • 22 يونيو 1948 : خير الضباط الإسرائيليين أهالي مدينة الرملة بين النزوح من المدينة أو السجن الجماعي , وكان ذلك بمثابة خدعة تمكنوا من خلالها من قتل الكثيرين من أهالي المدينة , وقد ألقيت جثث الضحايا على الطريق العام "الرملة/اللد" , ولم يبقى في مدينة الرملة بعد هذه المجزرة سوى 25 عائلة .

مصير هذه التنظيمات بعد إعلان الدولة .

قام الجيش الإسرائيلي علي أكتاف المنظمة الصهيونية المسلحة المعروفة باسم "الهاجانا " التي كانت تتعاون مع السلطات البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية وما قبلها . إلا أنها قادت التمرد اليهودي علي بريطانيا بعد الحرب. كذلك استند الجيش الإسرائيلي إلى الخبرة العسكرية التي امتلكها جنود اللواء اليهودي الذي حارب في نقاط الجيش البريطاني أيام الحرب العالمية الثانية .

اما المنظمتين العسكريتين الصهيونيتين " ليحي والإتسل" , فقد رفضتا الانضمام إلى الجيش الاسرائيلي عند تأسيسه وأوقفت "الهاجاناه" التعاون مع هاتين المنظمتين في يوليو 1946 , بعد تفجير فندق الملك داوود في القدس من قبل منظمة " الإتسل" , غير أن قائد  " الإتسل" " مناحم بيجن " حافظ على الاتصالات معها .

وفي يونيو 1948 قصف الجيش الإسرائيلي الناشيء سفينة "ألتالينا" التي كانت تحمل أسلحة للإرجون و صادر الأسلحة , بعد هذه المواجهة انضم أفراد الإرجون إلى الجيش تدريجياً .

اما افراد تنظيم ( شتيرن/ ليحي ) فانضموا إلى الجيش في بعض المناطق، أما في القدس واصلوا عملياتهم خارج نطاق الجيش حتى تم اعتقال قادتها من قبل الحكومة الإسرائيلية إثر عملية إرهابية قُتل فيها الوسيط السويدي "فولكي برنادوت" .

وتم الإعلان الرسمي عن قيام الجيش الإسرائيلي بعد 12 يوماً من الإعلان الرسمي لقيام دولة إسرائيل بأمر صدر عن رئيس الحكومة المؤقتة في 26 مايو 1948 .

وفي 31 مارس 1976 قرر الكنيست الإسرائيلي ترسيخ مكانة الجيش وأهدافه في "قانون اساسي" حيث يوضح خضوع الجيش لأوامر الحكومة والحظر علي قيام قوة مسلحة بديلة , جيش الدفاع الإسرائيلي يخضع تماماً للحكومة الإسرائيلية كسلطة مدنية وديمقراطية ويخضع كذلك لقوانين الدولة , ومهمة الجيش هي الدفاع عن الدولة واستقلالها .

 
The following two tabs change content below.

Comments

comments